×
نور التوحيد: البحث عن الخالق بلا وسيط

نور التوحيد: البحث عن الخالق بلا وسيط

قصة حوارية إيمانية حقيقية مع بعض التعديلات

    الدكتور راجي رضا الله

www.islamic-invitation.com

أشرفتْ عقاربُ الساعةِ على بلوغِ ميقاتِ صلاة الجمعةِ في أحدِ جوامعِ العاصمةِ الناميبيةِ ويندهوك؛ وفي غمرةِ الطريقِ، انشغلَ الدكتورُ راجي داخلَ السيارةِ بمراجعةِ آياتِ خطبتِهِ وتدبُّرِ مقاصدِها، في حينِ كان السائقُ الشابُّ بيتر يطوي الدربَ بمركبتِهِ في سكينةٍ وهدوءٍ. كان بيتر قد نشأ في بيئةٍ نصرانيةٍ، لكنه ظلَّ متعلقًا بالمعتقداتِ التقليديةِ التي ورثها عن أسلافِه

التفت الدكتور راجي إلي بيتر، مُبْتَغِياً أن يفتح الله له بابًا للخير، فقال

راجي: إلى أيِّ قبيلةٍ تنتمي يا بيتر؟ وما هي معتقداتك الدينية؟

بيتر:  أنا من شَعبِ قبيلةِ الأوفامبو؛ ورغم أنني نشأتُ نصرانيًّا، إلا أنني لم أقتنع يوماً بأن المسيحَ ابنٌ لله، ولا أؤمنُ بعقيدةِ التَّثليثِ وأقانيمِهِ الثلاثة، بل ما زلتُ أشعرُ بارتباطٍ قويٍّ بتلك المعتقداتِ التي ورثناها عن أسلافنا

راجي: وما أهم ما كان يؤمن به أسلافك؟

بيتر:  كانوا يؤمنون بوجود خالق أعلى للكون، وكانوا يسمونه "كالونجا"، وكانوا يرون أن الخالق أعظم من البشر، وأنه ليس كالمخلوقات

راجي:  وهل كانوا يتصورون أن للخالق ولدًا أو شريكًا؟

بيتر: لا، كان تصورنا التقليدي للخالق أنه الإله الأعلى الذي خلق العالم، وليس له زوجة ولا ولد. وعندما وصلت النصرانية الأوروبية إلى منطقتنا، وجد أسلافنا أن بعض ما سمعوه عن المسيح يختلف عما عرفوه عن الخالق في معتقدهم التقليدي؛ فلم يكن من السهل عليهم تقبُّل فكرة أن يكون المسيح ابن الله. فلم يكن في تصورهم التقليدي أن يكون للخالق الأعلى، الذي كانوا يسمونه "كالونجا"، ولدٌ أو شريكٌ في ملكه. وكانوا يرون أن الخالق منزَّه عن صفات المخلوقين، وأنه ليس كالبشر الذين يتزوجون ويتناسلون

أشرق وجه الدكتور راجي، وقال

راجي:  إن إقرار الإنسان بوجود خالق للكون وتعظيمه وتنزيهه عن صفات المخلوقين أمر يوافق ما تدعو إليه الفطرة من معرفة الخالق وتعظيمه، لكن هذا وحده لا يكفي لتحقيق التوحيد؛ فالإسلام جاء بالأمر بإفراد الله بالعبادة، فلا يُصرف شيء من العبادة لغيره

ثم قال راجي: هل كان أسلافك يتوجهون في العبادة إلى "كالونجا" مباشرة؟

بيتر: في الموروث الديني التقليدي لشعب قبيلة الأوفامبو، كان أسلافنا يرون أن لأرواح الأسلاف الذين ماتوا مكانةً مهمة في معتقداتهم؛ وكان يُعتقد أن لهم تأثيرًا في حياة أسرهم، ولذلك كان الناس يلجؤون إليهم ويقدمون لهم القرابين في بعض الممارسات والطقوس

راجي:  إذن كنتم تؤمنون بالخالق الأعلى، لكنكم جعلتم بينكم وبينه مخلوقاتٍ وسيطة تتوجهون إليها؟

بيتر:  نعم، هكذا تعلمنا. كنا نرى أن الخالق عظيم جدًا، وأن أرواح الأسلاف أقرب إلى عالم البشر، ولذلك كنا نلجأ إليها في بعض شؤون حياتنا

قال الدكتور راجي برفق: هنا يا بيتر يظهر الفرق العظيم بين معرفة الخالق وبين إفراده بالعبادة. قد يعرف الإنسان أن للكون خالقًا، ثم يقع في صرف شيء من العبادة لغيره. ولذلك كان أصل دعوة جميع الأنبياء عبادة الله وحده. والإسلام لا يعلِّم الإنسان أن يجعل بينه وبين الله وسيطًا في عبادته ودعائه في الدنيا. قال الله تعالى

وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [سورة غافر: الآية 60]

وقال سبحانه

وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [سورة البقرة: الآية 186]

تأمل بيتر الآية، ثم قال

بيتر:  ولكن لماذا لا أحتاج إلى واسطة بيني وبين الخالق؟ أليس الخالق أعظم مني بكثير؟

راجي: نعم، الله أعظم من كل شيء، وهو سبحانه خالقك وخالق الكون كله. لكن عظمته لا تعني أنك تحتاج إلى مخلوق ليحمل دعاءك إليه، بل الله سبحانه دعاك إلى دعائه مباشرة. تخيل أنك في ظلمة الليل، ولا يوجد حولك أحد؛ يمكنك أن تدعو الله مباشرة. لا تحتاج إلى كاهن، ولا إلى روح جد، ولا إلى مخلوق ينقل إلى الله حاجتك؛ فالله سبحانه سميعٌ لدعائك، عليمٌ بحالك

صمت بيتر قليلًا، ثم قال: ولكن هل يسمع الله دعاء الإنسان مهما كان بعيدًا عنه؟

راجي: نعم، الله سبحانه سميعٌ لدعاء عباده، لا تخفى عليه خافية. وقد قال الله سبحانه

فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [سورة البقرة: من الآية 137]

وهو سبحانه قريب من عباده كما أخبر، ولا يحتاج إلى وسيلة مادية أو مخلوق ينقل إليه كلامهم. وهذا هو جمال التوحيد؛ أنت لا تدخل إلى الإسلام لكي تستبدل وسيطًا بوسيط آخر، بل لكي تعبد الخالق وحده وتدعوه وحده

نظر بيتر إلى الدكتور راجي، وقال

بيتر: وماذا يقول الإسلام عن المسيح؟ لقد كنت أجد دائمًا صعوبة في فهم فكرة أن يكون المسيح ابنًا لله

راجي:  الإسلام واضح جدًا في هذه المسألة

أولًا: المسيح عيسى عليه السلام عبد الله ورسوله، وليس ابن الله. قال الله تعالى

لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ۖ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ [سورة المائدة: الآية 72]

وقال سبحانه

قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ۝ اللَّهُ الصَّمَدُ ۝ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ۝ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ [سورة الإخلاص: الآيات 1–4]

ثانيًا: ولادة عيسى عليه السلام معجزة من معجزات الله. خلق الله عيسى من أمٍّ بلا أب، كما خلق آدم بلا أب ولا أم، قال تعالى

إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ [سورة آل عمران: الآية 59]

فوجود عيسى بلا أب لا يعني أنه إله أو ابن الله، بل هو دليل على قدرة الله سبحانه

ثالثًا: معجزات عيسى عليه السلام كانت بإذن الله. قال الله تعالى على لسان عيسى عليه السلام

وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّهِ [سورة آل عمران: من الآية 49]

فالمعجزات لم تكن دليلًا على أن عيسى إله، بل كانت آياتٍ أيده الله بها لإثبات رسالته

رابعًا: المسيح عيسى عليه السلام لم يُقتل ولم يُصلب. قال الله تعالى

وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ [سورة النساء: من الآية 157]

وقال سبحانه

بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ [سورة النساء: من الآية 158]

ونحن نؤمن أنَّ المسيحَ عليه السلامُ سينزلُ في آخرِ الزمانِ؛ ليكسرَ الصليبَ، ويقتلَ الخنزيرَ، ويضعَ الجزيةَ، ويقتلَ المسيخ الدجال

خيَّمَ الصمتُ على بيتر ريثما يستوعبُ الكلماتِ، ثم قال متسائلاً: إذن، فالإسلامُ لا يفرضُ عليَّ أن أعبدَ المسيحَ، ولا يطلبُ مني الإيمانَ بعقيدةِ التثليثِ وأقانيمِها؟

راجي:  بل الإسلام يأمرك أن تعبد الله وحده، وأن تؤمن بالمسيح عليه السلام نبيًا ورسولًا من عند الله، وتحبه وتعظمه، ولكن لا تعبده. والإسلام ليس دينًا جديدًا من حيث أصل الدعوة؛ فجميع الأنبياء دعوا إلى أصل واحد، وهو عبادة الله وحده وإفراده بالتوحيد، وإن اختلفت شرائعهم في بعض الأحكام والتفاصيل. فنوح عليه السلام دعا قومه إلى عبادة الله وحده، وإبراهيم عليه السلام كان حنيفًا موحدًا، وموسى عليه السلام دعا بني إسرائيل إلى عبادة الله، والمسيح عيسى عليه السلام دعا إلى عبادة الله ربه ورب بني إسرائيل، ثم بعث الله محمدًا ﷺ خاتمًا للنبيين ورحمة للعالمين

بيتر:  ومن هو محمد نبي الإسلام؟

راجي:  محمد ﷺ هو رسول الله وخاتم النبيين. وُلد في مكة، وكان بشرًا عبدًا لله، لا يُعبد ولا يُصرف له شيء من العبادة. أرسله الله إلى الناس كافة يدعوهم إلى توحيد الله، ويعلمهم الخير والرحمة والعدل

بيتر: وما  هو كتابكم المقدس؟

راجي:  كتابنا هو القرآن الكريم، كلام الله المنزل على محمد ﷺ بواسطة جبريل عليه السلام. قال الله تعالى

إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [سورة الحجر: الآية 9]

والقرآن الكريم يقرر توحيد الله، ويقص علينا أخبار الأنبياء السابقين، ويصحح ما وقع فيه الناس من التحريف والاعتقاد الباطل، ويدعو الإنسان إلى عبادة خالقه وحده

كان بيتر يستمع باهتمام شديد. ثم قال الدكتور راجي

راجي:  يا بيتر، أنت تقول إن أسلافك عرفوا أن للكون خالقًا أعلى، لكنك الآن أمام سؤال أعظم: هل ينبغي أن نعبد الخالق وحده، أم نجعل بيننا وبينه مخلوقات نتوجه إليها؟

ظل بيتر صامتًا، ثم نظر من نافذة السيارة إلى السماء، وقال بصوت خافت

بيتر: إذا كان الله هو الخالق، وإذا كان يسمعني مباشرة، فلماذا أحتاج إلى وسيط؟

أجابه راجي

راجي:  لا تحتاج إلى وسيط في عبادتك ودعائك لله. ادعه أنت بنفسك

ثم قال له: إن كنت تبحث عن الحق بصدق، فادعُ خالقك الآن بكلماتك أنت، لا تحتاج إلى حفظ دعاء معين، قل: يا خالق الكون، اهدني إلى الدين الحق

أطرق بيتر رأسه، وسكت لحظات، ثم رفع عينيه إلى السماء وقال: يا خالق الكون، اهدني إلى الدين الحق

ساد الصمت داخل السيارة، وبعد لحظات، قال بيتر: أشعر براحة عجيبة، أشعر وكأنني بدأت أفكر في الأمر بطريقة مختلفة تمامًا

ابتسم الدكتور راجي وقال: المهم الآن أن تبحث عن الحق بعقلك وقلبك، وأن تعرف ما الذي يدعوك إليه الإسلام

وصلت السيارة إلى ساحة المسجد، وكان صوت الأذان يملأ المكان. نظر بيتر إلى المسجد، ثم التفت إلى الدكتور راجي وقال

بيتر:  أريد أن أعرف كيف يدخل الإنسان في الإسلام

راجي: الإسلام يقوم على شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله. فإذا آمنت بأن الله وحده المستحق للعبادة، وآمنت بأن محمدًا رسول الله، ونطقت بالشهادتين مؤمنًا بمعناهما، دخلت في الإسلام

قال بيتر بثبات: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله. ثم أضاف بيتر: وأشهد أن عيسى عبد الله ورسوله

كبّر الدكتور راجي وحمد الله، وهنّأ بيتر بالإسلام. ثم أرشده إلى الاغتسال والوضوء، وعلمه كيفية الصلاة. وقف بيتر لأول مرة في حياته في صفوف المسلمين، كتفًا إلى كتف مع الدكتور راجي. دخل في الصلاة بتكبيرة الإحرام، ثم سجد لله الواحد الأحد. لم يكن بينه وبين ربه وسيطٌ يتوجه إليه بالعبادة؛ كان يدعو الله وحده

وبعد الصلاة، التفت الدكتور راجي إليه مبتسماً وقال

راجي: والآن يا بيتر، ماذا وجدت في صلاة المسلمين؟

نظر بيتر إلى صفوف المصلين المتراصة، والابتسامة تملأ وجهه، ثم التفت نحو الدكتور راجي وقد بدت علامات الطمأنينة والارتياح جلية على وجهه، وقال وعيناه تفيضان بالبهجة والسكينة: الصلاة رائعة جدًا! لقد انزاح عن كاهلي ثقل الوسائط؛ هنا وجدت حلاوة عبادة الله وحده، الخالق العظيم الذي يسمعني مباشرة. لقد ذقت في سجدتي حلاوة الإيمان ولذة القرب من الله التي ملأت روحي بالسكينة، ولمست بين هؤلاء الرجال الأخوة الحقيقية الصادقة التي طالما تشوّقت إليها نفسي وتبحث عنها القلوب بصدق

www.islamic-invitation.com

اللغات المتاحة

All the materials that are available for Raji Redha-Allah

مقالات ذات صلة

ما هي الوصية العظمى التي نطق بها المسيح؟
Comparative Religions
ما هي الوصية العظمى التي نطق بها المسيح؟

ما هي الوصية العظمى التي نطق بها المسيح؟ قراءة تحليلية متأنية في نصوص العهد الج...

قراءة في كتاب:  الاختلافات الهامة بين المخطوطة السينائية والعهد الجديد لـلدكتور أحمد الشامي
Comparative Religions
قراءة في كتاب:  الاختلافات الهامة بين المخطوطة السينائية وال...

قراءة في كتاب:  الاختلافات الهامة بين المخطوطة السينائية والعهد الجديد لـلدكتور...

الإسلام والمسيحية: ما هي معايير اختيار الدين الحق؟
Comparative Religions
الإسلام والمسيحية: ما هي معايير اختيار الدين الحق؟

الإسلام والمسيحية: ما هي معايير اختيار الدين الحق؟ عندما يبحث الإنسان عن الدين...

+