×
ما هي الوصية العظمى التي نطق بها المسيح؟
Comparative Religions

ما هي الوصية العظمى التي نطق بها المسيح؟

قراءة تحليلية متأنية في نصوص العهد الجديد

إعداد الدكتور سليمان خليل

www.islamic-invitation.com

في سياق الحوارات العقدية المعاصرة، يظل الدليل النصي الصريح هو الفيصل الحاسم الذي تبنى عليه الحقائق الكبرى. وفي سجال جرى بين الشيخ زين خير الله ومحاور نصراني حول دعوى ألوهية المسيح، تهافت الاستدلال وظهر أثر إلزام الخصم بإكمال النص كاملاً دون اقتطاع؛ حيث دار الحوار المنهجي الذي أَبْطَلَ فيه كتاب متى الإصحاح السابع الأعداد الواحد والعشرون والثاني والعشرون والثالث والعشرون ألوهية المسيح عليه السلام

 

الليلةُ التي أَبْطَلَتْ فيها أعدادُ كتابِ متى (الواحدُ والعشرونَ، والثاني والعشرونَ، والثالثُ والعشرونَ) من الإصحاحِ السابعِ دعوى ألوهيةِ المسيح

الشيخ زين خير الله: لو كان عندك نص واحد صريح يقول فيه المسيح" أنا إله "لكنت جئت به، ولكنك لم تأتِ بنص واحد يثبت هذا اللفظ على لسانه

المحاور النصراني: لقد قلت لك إن النص موجود، النص هو: في ذلك اليوم تقولون لي يا رب

الشيخ زين خير الله: أخرِج لنا النص كاملاً لو سمحت؛ هل أنت لا تحفظه؟

المحاور النصراني: بلى، أنا أحفظه. النص في كتاب متى الإصحاح السابع العدد الحادي والعشرون. (لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَقُولُ لِي: يَا رَبُّ، يَا رَبُّ! يَدْخُلُ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ . بَلِ الَّذِي يَفْعَلُ إِرَادَةَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ)

الشيخ زين خير الله: أكمل النص.. أكمل القراءة، فأنت لم تنتهِ بعد. أكمل القراءة حتى العدد الثالث والعشرون

المحاور النصراني: يتابع قراءة النص في الأعداد التالية وتحديدا في كتاب متى الإصحاح السابع العددين الثاني والعشرون والثالث والعشرون: (كَثِيرُونَ سَيَقُولُونَ لِي فِي ذلِكَ الْيَوْمِ: يَا رَبُّ، يَا رَبُّ !أَلَيْسَ بِاسْمِكَ تَنَبَّأْنَا، وَبِاسْمِكَ أَخْرَجْنَا شَيَاطِينَ، وَبِاسْمِكَ صَنَعْنَا قُوَّاتٍ كَثِيرَةً؟ فَحِينَئِذٍ أُصَرِّحُ لَهُمْ: إِنِّي لَمْ أَعْرِفْكُمْ قَطُّ! اذْهَبُوا عَنِّي يَا فَاعِلِي الإِثْمِ!)

الشيخ زين خير الله: اذهبوا عني يا ماذا؟

المحاور النصراني: يا فاعلي الإثم

وهنا انجلت الحقيقة، فتبسم الشيخ زين خير الله قائلاً بنبرة تجمع بين الانتصار العلمي والبيان: النص الذي جئت به لتدعي فيه ألوهية المسيح يثبت أن أولئك الذين نادوه بلفظ "يا رب" وصنعوا المعجزات باسمه، قد طردهم وتبرأ منهم ووصفهم بأنهم فاعلو إثم! ولهذا السبب تحديداً كنت أصر عليك أن تكمل النص كاملاً ولا تقتطعه؛ لأن في تمامه بطلان دعواك

إنَّ هذهِ النصوصَ في كتابِ متى (الإصحاح السابع، الأعداد: الواحد والعشرين، والثاني والعشرين، والثالث والعشرين) تُبْطِلُ دعوى ألوهيةِ المسيح (عليه السلام)، فهؤلاء الأشخاص كانوا يكتفون بمناداة المسيح لفظاً وبظاهر كلامهم: "يا رب، يا رب"، ظناً منهم أن مجرد تعظيمه باللقب أو الغلو فيه ينجيهم، فجاء الرد قاطعاً في بداية النص ليثبت أن هذا النداء لا قيمة له إن لم يصحبه توحيد الله وإفراد العبادة له تبارك وعلا. ومن هنا يتلازم الإثم بمخالفة الشريعة والوقوع في الشرك، حيث وصفهم المسيح عليه السلام بـفاعلي الإثم - وتُكتب في تراجم إنجليزية أخرى بمخالفي الشريعة والخارجين عن التوحيد، لأنهم جعلوا الدين مجرد مظهر وغلو لفظي تبرأ منه المسيح عليه السلام، وضيعوا أصل شريعة التوحيد التي جاء بها كل الأنبياء عليهم السلام وهي إفرادُ العبادةِ للهِ وحدهُ بلا شريكٍ في ربوبيتِهِ وألوهيته وأسمائِهِ وصفاتِه؛ فبدلاً من امتثال أمر الله، انشغلوا بالغلو في شخص المسيح وصناعة" الخوارق والقوات" باسمه، فاعتبر فعلهم هذا إثماً عظيماً وذنباً يُطردون بسببه. ولهذا كان النص قاصماً لمن يستدل بلفظ" يا رب "على الألوهية؛ لأنه يطرد ويعذب من قاله بناءً على هذا الفهم الفاسد

 

ما هي الوصية العظمى التي نطق بها المسيح؟

قراءة تحليلية متأنية في نصوص العهد الجديد

إن التدبر في النص السابق يقود الباحث المنصف إلى حقيقة كلية مستقرة في دعوة الأنبياء والمرسلين قاطبة، وهي نفي كل خصائص الربوبية والألوهية عن المخلوقين . وعند قراءة نصوص العهد الجديد  بعين الإنصاف، تتجلى حقيقة ناصعة تعلن أن المسيح عليه السلام لم يدعِ الألوهية قط، بل نطق في مواضع حاسمة بالإقرار بالعبودية لله عز وجل، مستخدماً تعبيرات "ربي" و"إلهي" و"الله"، ومثبتاً مباينته التامة للمعبود بحق، وذلك وفق الشواهد والنصوص التالية

أولاً: خضوع المسيح (عليه السلام) التام لله الخالق وإقراره بلفظ إلهي

جاءت كلمة "إلهي" على لسان المسيح عليه السلام في سياقات تفيد الافتقار والعبودية المطلقة لبارئ الكون سبحانه، ومن ذلك

في كتاب يوحنا الإصحاح العشرين العدد السابع عشر:  حيث قطع المسيح كل سبيل للغلو فيه وساوى بينه وبين أتباعه في العبودية لله حين قال بعبارة حاسمة: إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم

في كتاب متى الإصحاح السابع والعشرين العدد السادس والأربعون وكتاب مرقس الإصحاح الخامس عشر العدد الرابع والثلاثون: حين صرخ في أوقات كربه وشدته باللغة الآرامية القديمة متوجهاً بالدعاء إلى خالقه وحده بموضع لفظ إيلوهيم أو إيلي قائلاً: إيلي، إيلي، لماذا تركتني؟ أي: إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟

في سفر الرؤيا الإصحاح الثالث العدد الثاني عشر : وفي سياق ما بعد رفعه وصعوده، يكرر المسيح لفظ "إلهي "أربع مرات في جملة واحدة مؤكداً بقاء عبوديته لربه تبارك وتعالى، حيث يقول:  من يغلب فسأجعله عمودا في هيكل إلهي...  وأكتب عليه اسم إلهي، واسم مدينة إلهي... النازلة من السماء من عند إلهي

ثانياً: إعلان الوصية الأولى والجمع بين صفة "ربي وإلهي" لله وحده

أكد المسيح عليه السلام على الوصية الأساسية الموروثة عن سائر الأنبياء، والتي تجمع بين الربوبية والألوهية لله الفرد الصمد دون شريك

في كتاب مرقس الإصحاح الثاني عشر العدد التاسع والعشرون : عندما سُئل عن رأس الوصايا وأعظمها، التزم بنص العهد القديم وأجاب قائلاً بصيغة المفرد القاطعة: إن أول كل الوصايا هي: اسمع يا إسرائيل . الرب إلهنا رب واحد

في كتاب متى الإصحاح الرابع العدد العاشر وكتاب لوقا الإصحاح الرابع العدد الثامن: في رده الصارم القاطع على محاولات الفتنة واختبار العبادة، حدد جهة العبودية المستحقة بإطلاق قائلاً: للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد

ثالثاً: استخدام المسيح (عليه السلام) الصريح للفظ الجلالة "الله" وتأكيد بشريته الرسولية

خاطب المسيح الجموع والتلاميذ في محافل شتى، مرسخاً حقيقة أن "الله" هو الحق الأعلى الذي يجب امتثال أمره، ومعرّفاً نفسه بالبشرية والرسالة

في كتاب يوحنا الإصحاح الثامن العدد الأربعون:  واجه المخالفين بصفته البشرية المبعوثة من الخالق قائلًا:   ولكنكم الآن تطلبون أن تقتلونني، وأنا إنسان قد كلمكم بالحق الذي سمعه من الله

في كتاب يوحنا الإصحاح السابع عشر العدد الثالث : في مناجاته الضارعة الطويلة لربه سبحانه، صاغ أصل التوحيد والرسالة في جملة بليغة تعد أساساً في نقض عقائد الغلو، حيث قال :  وهذه هي الحياة الأبدية : أن يعرفوك أنت الإله الحق وحدك، ويسوع المسيح الذي أرسلته

رابعاً: الخلفية اللغوية ودلالة لفظ "إيلوهيم  وإيلي

لفهم البنية اللغوية الحقيقية لهذه النصوص، يجب الالتفات إلى لغة المسيح وبيئته 

إن لفظ "إيلوهيم" هو اللفظ العبري القديم المستعمل في أسفار العهد القديم (التوراة) للدلالة على "الله" الخالق سبحانه وتعالى

وبما أن المسيح عليه السلام كان يتحدث الآرامية وهي الشقيقة اللغوية الأقرب للعبرية، فإن نداءه الشهير: إيلي، إيلي أو إلوي، إلوي الوارد في كتب النصارى، يعود في أصله إلى جذر اللغات السامية المشترك للفظ الجلالة إيل أو إلوه، وعند إضافة ياء المتكلم إليها تصبح الكلمة "إلهي"، وهي ذاتها المشتقة من الأصل الذي يشترك مع اللفظ العربي الإلهي العظيم الله

 

خلاصة توثيقية

إن مجموع هذه البينات والنصوص المتواترة يبرهن من داخل كتب العهد الجديد ذاتها، وبألسنة الكتب المعتمدة، أن المسيح عليه السلام لم يرفع نفسه فوق مقامه الذي وضعه الله فيه، ولم يدعِ لنفسه يوماً صفة الألوهية الذاتية ولا استحقاق العبادة؛ بل وضع نفسه بصورة دائمة وتامة في مقام العبد المرسل، التابع الخاضع، الداعي إلى إرادة وطاعة الله، ربه، وإلهه الحق وحده لا شريك له

www.islamic-invitation.com

All the materials that are available for Solomon Khalil

مقالات ذات صلة

قراءة في كتاب:  الاختلافات الهامة بين المخطوطة السينائية والعهد الجديد لـلدكتور أحمد الشامي
Comparative Religions
قراءة في كتاب:  الاختلافات الهامة بين المخطوطة السينائية وال...

قراءة في كتاب:  الاختلافات الهامة بين المخطوطة السينائية والعهد الجديد لـلدكتور...

الإسلام والمسيحية: ما هي معايير اختيار الدين الحق؟
Comparative Religions
الإسلام والمسيحية: ما هي معايير اختيار الدين الحق؟

الإسلام والمسيحية: ما هي معايير اختيار الدين الحق؟ عندما يبحث الإنسان عن الدين...

المسيح عليه السلام كان يعبد الله: دليل من إنجيل لوقا الفصل السادس، العدد الثاني عشر
Comparative Religions
المسيح عليه السلام كان يعبد الله: دليل من إنجيل لوقا الفصل ا...

المسيح عليه السلام كان يعبد الله: دليل من إنجيل لوقا الفصل السادس، العدد الثاني...

+