جلسةٌ خاصةٌ في قاعة الحوار العلمي بمركز الأبحاث الفلسفية والكونية، بعد ندوةٍ أكاديميةٍ مشتركة حول: الكون بين القانون والغاية
تمهيد
بعد انفضاض الندوة، بقي في القاعة نفرٌ قليل، وخفَت ضجيج الأسئلة العامة، وحلَّ محلَّه سكونٌ ثقيلٌ يسبق الحوارات الكبرى. جلس الدكتور راجي، الباحث المسلم المتخصص في فلسفة العلم والعقيدة ونقد الإلحاد المعاصر، قبالة الدكتور جوستاف، الأستاذ في الفيزياء النظرية، صاحب الخلفية الإلحادية الصلبة. لم تكن الجلسة سجالًا إعلاميًّا، ولا مباراةً خطابية، بل كانت مواجهةً بين رؤيتين للعالم رؤيةٍ ترى أن الكونَ معادلةٌ بلا مُقنِّن، وقانونٌ بلا خالق، ومادةٌ بلا غاية ورؤيةٍ تقرأ في إحكامه آثارَ الخالق العليم، وتشهد في انتظامه بوحدة الرب الحكيم ساد الصمت هنيهة، ثم بدأ الدكتور جوستاف الكلام
جوستاف دعنا نختصر المسألة الكون يعمل وفق معادلات، وهذا كل شيء لا أرى حاجةً إلى افتراض عقلٍ خلفها، ولا موجبًا للقول بإلهٍ وراءها
راجي بل هنا يبدأ السؤال ولا ينتهي فالمعادلة لا تخلق ما تصفه، والقانون لا يُوجِد ما يحكمه، والوصف لا يُنشئ الموصوف سؤالي ليس: هل توجد قوانين؟ بل: ما الوضع الأنطولوجي لهذه القوانين؟ أهي كياناتٌ قائمةٌ بذاتها؟ أم أنها مجرد توصيفاتٍ بشريةٍ لسنن الله في خلقه؟
جوستاف هي تعبيرٌ عن انتظامٍ موضوعيٍّ في الطبيعة
راجي إذن أنت تُقِرّ بانتظامٍ موضوعيٍّ سابقٍ على وعينا به وهذا الانتظام كميٌّ، رياضيٌّ، ثابتٌ عبر الزمن، قابلٌ للصياغة المجرَّدة وهنا يظهر السؤال الحقيقي لماذا الواقع قابلٌ للوصف الرياضي أصلًا؟ ولِمَ كانت معادلةٌ في فضاءٍ تجريديٍّ كفضاء هيلبرت تطابق سلوك الإلكترون بدقةٍ مذهلة؟
جوستاف لعلَّ أيَّ كونٍ غير منتظم لن يسمح بوجود مراقبين
راجي هذه إجابةٌ انتقائية، لا تفسيرٌ سببي أنت تقول: نحن هنا لأن الكون منتظم وأنا أسألك: لماذا كان الكون منتظمًا أصلًا بدلًا من أن يكون فوضى لا قانون لها؟ الاحتمالات هنا ثلاثة إما أن يكون الانتظام ضرورةً عقليةً لا يمكن خلافها أو أن يكون محضَ مصادفةٍ عمياء أو أن يكون صادرًا عن مبدأٍ عقليٍّ سابقٍ على المادة أما الأول فغير لازم؛ لأن العقل يمكنه تصور كونٍ بلا هذا النسق الدقيق وأما الثاني فمأزوم؛ لأن الصدفة قد تفسِّر اضطرابًا، لكنها لا تفسِّر قابليةَ الفهم الرياضي العميق فتبقى الثالثة أليقَ بالعقل وأقربَ إلى الاتساق
جوستاف المادية لا تقول إن المصادفة وحدها كافية، بل القوانين جزءٌ من بنية الواقع
راجي إذن القوانين ليست مشتقةً من المادة اشتقاقًا تامًّا، بل هي أعمقُ منها من جهة التفسير فهل هي كياناتٌ مجرَّدة؟ إن قلت نعم، فقد تجاوزت المادية الصرفة إلى ما هو غير مادي وإن قلت لا، فقد جعلت المادة تحمل في ذاتها بنيةً رياضيةً عقليةً ضرورية وفي الحالتين، خرجت من المادية التي تنادي بها من حيث لا تشعر
راجي دعنا ننتقل إلى الزمن في الفيزياء الحديثة، الزمن ليس مطلقًا بسيطًا كما كان يُتصور، بل هو جزءٌ من بنية الزمكان. وبعض النماذج تشير إلى أن الزمن نفسه قد يكون ظاهرةً ناشئةً من بنيةٍ أعمق فإذا كان الزمن ناشئًا، كان السؤال أشدَّ إلحاحًا ما الذي يفسر وجود الزمكان نفسه؟
جوستاف قد تسمح النماذج الكونية بنشوء الزمكان من تقلباتٍ كمومية
راجي لكن التقلب الكمومي ليس عدمًا محضًا إنه يحتاج إلى فضاء حالة، وقوانين كمومية، ومعادلة ديناميكية فأنت لم تفسر الوجود من العدم، بل نقلت السؤال إلى طبقةٍ أعمق يبقى السؤال الفلسفي قائمًا لماذا توجد هذه البنية أصلًا؟
جوستاف قد يكون الكون أزليًا في صورةٍ ما
راجي الأزلية المجردة لا تفسر الوجود فالتسلسل اللانهائي للوقائع لا يفسر لماذا توجد الوقائع أصلًا إنه كقطارٍ تتصل عرباته بعضها ببعض، وكلُّ عربةٍ تُحال على ما قبلها، ومع ذلك يبقى أصل السلسلة بلا تفسير فليس السؤال فقط: هل للكون بداية؟ بل: لماذا وُجد أصلًا؟ ولماذا كان على هذه الهيئة لا على غيرها؟
راجي أنت تقول إن العقل نتاجُ تطورٍ مادي لكن التطور ـ بحسب تفسيرك ـ يفضِّل البقاء لا الحقيقة، والنفع لا اليقين وقد تكون المعتقدات الكاذبة نافعةً للبقاء فبأيّ وجهٍ نثق إذن أن استدلالاتنا الميتافيزيقية تعكس الحقيقة، لا مجرد تكيفٍ ناجح؟
جوستاف لأن النماذج الناجحة تتوافق مع الواقع تجريبيًّا
راجي النجاح العملي لا يساوي الصدق الأنطولوجي قد يكون النموذج نافعًا دون أن يكون تفسيرًا نهائيًا للوجود ثم إنك تقع هنا في دائرةٍ مغلقة أنت تثق بالعقل لأن العقل أخبرك أنه جديرٌ بالثقة مع أن مذهبك نفسه يقول إن هذا العقل لم يُوجَّه أصلًا إلى الحقيقة، بل إلى التكيف والبقاء وهكذا يصبح الإلحاد معتمدًا على أداةٍ هو نفسه ينزع عنها الضمان المعرفي الكامل
جوستاف لكن العقل نتاج الدماغ، ولا حاجة لإقحام الروح أو الغيب
راجي بل هذا تهرُّبٌ من أصل الإشكال فالسؤال ليس: هل للعقل ارتباطٌ بالدماغ؟ بل: هل تُفسِّر المادة الصمّاء ظهور الوعي، والمعنى، والإدراك المجرد، والحكم المنطقي؟ فالمادة توصف كمًّا، والعقل يحكم كيفًا والمخ يُرى، أما المعنى فلا يُرى؛ والنبضة العصبية تُقاس، أما الصدق والكذب واللزوم العقلي فلا تُوزن بميزان فكيف يخرج من الصمتِ معنى، ومن العمى هداية، ومن الاصطدام الأعمى حكمٌ على الحق والباطل؟
راجي انظر إلى الكون هو متغير، محدود، مركب، خاضع لقوانين، ممكنُ التصور على نحوٍ مختلف إذن هو ممكن لا واجب والممكن لا يفسر وجوده بنفسه فإما أن نقبل تسلسلًا لا نهائيًّا من الممكنات بلا تفسير وإما أن نثبت وجودًا واجبًا غير ممكن
جوستاف وماذا يلزم من هذا الواجب؟
راجي يلزم أن يكون
غير خاضعٍ للزمان
غير محتاج
غير مركب
قائمًا بنفسه
مُقيمًا لغيره
علةً لوجود الممكنات لا معلولًا لها
وهذا ليس "إله الفجوات"، بل ضرورةٌ عقلية وإذا تأملت أكثر، علمت أن واجب الوجود لا يمكن أن يكون متعددًا؛ لأن التعدد يستلزم التمايز، والتمايز يستلزم الحد، والواجب منزَّهٌ عن الحد والنقص ولا يمكن أن يكون مركبًا؛ لأن المركب مفتقرٌ إلى أجزائه ولا يمكن أن يكون خاضعًا لقانون؛ لأن القانون أعمُّ منه حينئذ، فيكون هو محكومًا لا حاكمًا وهذه الصفات توافق التوحيد الخالص
جوستاف إذا رفضتُ الواجب، بقيتُ في حلقةٍ تفسيريةٍ لا تنتهي وإذا قبلتُه، فإن التوحيد الفلسفي يصبح الخيار الأكثر اتساقًا
راجي بل ليس مجرد "خيار"، بل هو مقتضى النظر الصحيح لمن أنصف الدليل ولم يُؤثِر الهوى
راجي دعنا ننتقل إلى الرياضيات أنت تستخدم في الفيزياء فضاءات هيلبرت، وتناظرات لي، وهندسة ريمان، وصيغًا تجريديةً خالصة وهذه كلها كياناتٌ عقليةٌ مجرَّدة فلماذا الواقع الفيزيائي يطاوع بنيةً رياضيةً مجردة؟
جوستاف يوجين فيغنر سمّى ذلك: الفعالية غير المعقولة للرياضيات
راجي بالضبط وهنا موضع الشاهد، لا موضع العبور السريع فلو كان الكون فوضى ماديةً عمياء، لكانت الرياضيات أداةً تقريبيةً متعثرة لكن ما نراه هو أن الكون منقادٌ للرياضيات انقيادًا باهرًا فهذا يُرجِّح أن العقل سابقٌ على المادة من جهة التفسير، وأن وراء الكون تقديرًا وحكمة، لا عبثًا وعشوائية
راجي الآن دعنا إلى الثوابت الكونية لو تغيرت مقادير يسيرة في بعض الثوابت، مثل
ثابت البنية الدقيقة
الكثافة الكونية
نسب القوى الأساسية
لاختل البناء كله لا نجوم، ولا كيمياء مستقرة، ولا حياة، ولا عقل يتساءل أصلًا السؤال ليس: هل الحياة ممكنة؟ بل: لماذا كان الكون قابلًا للحياة أصلًا؟
جوستاف البعض يقترح تعدد الأكوان
راجي حتى لو سلّمنا جدلًا بتعدد الأكوان، فمن أين جاءت آلية توليد الأكوان؟ أنت تحتاج إلى
قانون
فضاء إمكانات
معادلة توليد
أي أنك لم تُجِب عن السؤال، بل رفعته طبقةً أعلى فالمشكلة لم تُحل، وإنما نُقلت والعاقل لا يستبدل غموضًا بغموضٍ أعظم
راجي دعنا ننزل من رحابة الكون إلى أعماق الخلية خذ البروتين مثلًا متوسط البروتين يحتاج إلى مئات الأحماض الأمينية في ترتيبٍ مخصوص، لا أي ترتيبٍ كان ثم يأتي الطي البروتيني الذي يتم بدقةٍ وسرعةٍ مذهلتين، ولو جُرِّبت الاحتمالاتُ كلها لاحتاج الأمر إلى زمنٍ فوق التصور
جوستاف هذا ما يُعرف بمفارقة ليفنثال
راجي نعم DNA ثم تأمل في الـ لسنا أمام مادةٍ فحسب، بل أمام معلومات، وترميز، وترجمة، وتصحيح أخطاء، وتنظيم ديناميكي الخلية لا تشبه كومةَ طين، بل تشبه ـ من حيث البنية الوظيفية ـ نظامًا ترميزيًا بالغ الإحكام
جوستاف لكن التطور قد يراكم المعلومات
راجي التطور ـ على فرض بعض آلياته داخل الحيّ ـ لا يعمل إلا على كائنٍ حيٍّ موجود بالفعل أما السؤال الأشدُّ: كيف ظهرت أول منظومة معلوماتية؟ فالـ DNA يحتاج إلى بروتينات لنسخه، والبروتينات تحتاج إلى معلوماتٍ لتركيبها فهذه دائرةٌ لا تُكسر بالمادة وحدها المادة قد تحمل المعلومة، لكنها لا تفسِّر مصدر المعلومة وهنا يظهر قصور المادية، لا لأننا جهلنا تفصيلًا جزئيًّا، بل لأن أصل النموذج نفسه قاصر
جوستاف سيقول قائل: هذا كله مجرد إعادة صياغةٍ لحجة إله الفجوات
راجي بل هذا الاعتراض من أكثر الاعتراضات تكرارًا، وأقلها تحريرًا نحن لا نقول: لا نعرف، إذن الله بل نقول لدينا كونٌ قابلٌ للفهم، وقوانين رياضية، وثوابت مضبوطة، ومعلومة حيوية، وعقل يدرك المجردات، وفطرة تطلب الغاية؛ فما أفضل تفسيرٍ شاملٍ لهذا كله؟ المادة العمياء؟ أم الخالق العليم؟ المادية قد تفسر بعض الآليات، لكنها لا تفسر الأساس تشرح كيف تعمل الآلة، لكنها لا تفسر لماذا وُجدت الآلة أصلًا
جوستاف لكن التشابه بين الكائنات قويّ، وكثيرون يجعلونه برهانًا على الأصل المشترك
راجي ليس كلُّ تشابهٍ دليلَ نسب، ولا كلُّ تماثلٍ برهانَ سلف بل قد يكون التشابه أثرًا لوحدة الخالق في تقدير الوظائف فالمصمم الواحد قد يجعل لكائناتٍ متباينةٍ أدواتٍ متشابهةً لوظائف متقاربة، مع اختلاف الأصول والطبائع والأنواع فالشبه في الخلق دليلُ الخالق الواحد، لا بيِّنةُ النسب البعيد وإحكام الوظيفة برهان التقدير الحكيم، لا نتيجةُ الصدفة والتوهيم فإنما هو اشتراكٌ في بعض الوسائل والخصائص التي قدَّرها الله في خلقه، لا دليلًا لازمًا على وحدة الأصل
جوستاف لكن الخطاب العلمي العالمي اليوم لا يتكلم بهذه اللغة التي تتكلم بها إنه يستبعد الغيب، ويرى الدين شأنًا ذاتيًّا لا معيارًا معرفيًّا
راجي وهنا موضعٌ دقيق ينبغي تحريره لقد سادت في قطاعاتٍ واسعةٍ من الثقافة الحديثة رؤيةٌ ماديةٌ غربية، تحاول حصر الحقيقة فيما يُقاس ويُجرَّب، وتجعل الغيب خارج دائرة المعرفة ابتداءً ثم تُكسى هذه المصادرةُ ثوبَ "الحياد"، وهي في حقيقتها تحيّزٌ فلسفي لا حيادٌ خالص فإذا تعلقت المسألة بالمادة قيل: هذا هو الإجماع العلمي وإذا تعلقت بالله والوحي والفطرة قيل: هذه وجهات نظر فجُعلت المادية معيارًا للمعرفة، وجُعل الدين ذوقًا شخصيًّا وهذا قلبٌ للميزان، لا تحقيقٌ للبرهان
جوستاف أتقصد أن الأدوات الحديثة والأنظمة الذكية قد تُعيد إنتاج هذا الانحياز؟
راجي في كثيرٍ من الأحوال، نعم، من حيث غلبة البيانات والرؤية السائدة ومناهج التأطير المعرفي فالآلة قد تعكس ما غلب في مادتها التدريبية وبنيتها المفهومية، فتبدو محايدة، وهي مشبعةٌ بمقدماتٍ ماديةٍ مسبقة لكن هذا لا يجعلها مرجعًا نهائيًّا في باب العقيدة فالحق لا يُعرف بضجيج العصر، ولا بسلطان المنهج الغالب، بل يُعرف بالوحي الصحيح، والعقل الصريح، والفطرة السليمة ومن العجب أن بعض الناس يُسلِّم للأداة المصنوعة، ويُعرض عن الآيات المبثوثة في الكون والوحي المسطور
جوستاف حسنًا، فلنفترض أن للخالق وجودًا فكيف تفسر الشر في العالم؟ الآلام، والكوارث، والمرض، والظلم؟ أليس وجود الشر معارضًا لوجود إلهٍ حكيمٍ رحيم؟
راجي هذا من أشهر الاعتراضات، وأشدها تعلقًا بالنفس لا بالعقل المجرد لكن الجواب عنه من وجوه أولها: أن وجود الشر الجزئي لا ينفي الحكمة الكلية، كما أن وجود الألم في الجراحة لا ينفي قصد العلاج وثانيها: أن كثيرًا مما نراه شرًّا يكون طريقًا إلى خيرٍ أكبر، أو دفع شرٍّ أعظم، أو امتحانٍ تظهر به حقائق النفوس وثالثها: أن الاعتراض الأخلاقي على الشر يقتضي معيارًا موضوعيًّا للخير والشر، وهذا المعيار لا يستقيم على الإلحاد؛ لأن الإلحاد لا يمنحك في النهاية إلا تفضيلاتٍ تطورية أو اجتماعية، لا إلزامًا أخلاقيًّا متجاوزًا فكيف تحتجُّ على الله بمقياسٍ لا يستطيع الإلحاد نفسه تأسيسه؟
جوستاف لكن الألم شديد، والفقد موجع
راجي نعم، والإسلام لا ينكر ذلك، بل يضعه في موضعه دار الدنيا دار ابتلاء، لا دار جزاء والله سبحانه أرحم بعباده من أنفسهم، لكنه يبتليهم ليظهر الصادق من الكاذب، والشاكر من الجاحد، ولتتعلق القلوب بالآخرة لا بالدنيا وحدها فالمؤمن لا يعبد الله لأنه لم يرَ ألمًا، بل لأنه عرف ربًّا حكيمًا رحيمًا عليمًا لا يظلم مثقال ذرة
جوستاف يمكن تأسيس الأخلاق على العقل الجمعي، أو المنفعة العامة، أو التعاطف الإنساني
راجي لكن هذه كلها لا تمنحك إلزامًا موضوعيًّا مطلقًا فإن كانت الأخلاق ثمرةَ تطورٍ ونفعٍ اجتماعي، فما الذي يجعل الظلم قبيحًا في ذاته، لا مجرد سلوكٍ غير ملائم؟ وما الذي يجعل العدل حسنًا على وجه الإلزام، لا مجرد اتفاقٍ نافِع؟ الإلحاد يسلب الأخلاق جذورها المتجاوزة، ثم يطالب بثمارها أما التوحيد فيجعل الخير ما أمر الله به، والشر ما نهى عنه، ويؤسس الكرامة الإنسانية على أن الإنسان مخلوقٌ لله، مكرَّمٌ، مسؤولٌ، لا مجرد تفاعلٍ كيميائيٍّ عابر
جوستاف قد يقول قائل: الدين صناعةٌ بشرية، ابتدعه الإنسان ليواجه خوفه من الموت، أو ليضبط المجتمع
راجي وهذا تفسيرٌ نفسيٌّ لا برهانٌ معرفي فكون الإنسان قد ينتفع من شيءٍ لا يعني أنه اختلقه الإنسان ينتفع من الماء، فهل اختلق الماء؟ ثم إن هذا الاعتراض يرتد عليك؛ إذ يمكن أن يقال: الإلحاد نفسه صناعةٌ نفسية، فرارٌ من التكاليف، وهربٌ من المحاسبة، وتبريرٌ لاستقلال الإنسان عن ربه لكننا لا نبطل قولًا بتحليله النفسي فقط، بل ننظر في دليله والحق أن الوحي جاء بما يثقل على النفوس في كثيرٍ من المواطن، ويخالف الأهواء، ويحمّل الإنسان المسؤولية، فلا يصح اختزاله في كونه حيلةً نفسية
جوستاف وماذا عن المعجزات؟ أليست خرقًا للقوانين الطبيعية؟
راجي المعجزة ليست نقضًا للعقل، بل خرقٌ للعادة بإذن خالق العادة فالقوانين سننٌ أجراها الله في خلقه، وليست آلهةً قائمةً بذاتها تمنع خالقها من التصرف في ملكه ومن أثبت واجب الوجود الخالق القادر، لم يبقَ عنده إشكالٌ في إمكان المعجزة من حيث الأصل يبقى النظر بعد ذلك في ثبوتها ونقلها ودلالتها، لا في إمكانها المجرد
جوستاف وما الذي يميّز القرآن؟
راجي أنه جاء بتوحيدٍ نقي، وتصوّرٍ لله هو أصفى ما يكون واحدٌ، أحدٌ، صمدٌ، لم يلد ولم يولد، وليس كمثله شيء وجاء بخطابٍ يجمع بين الفطرة والعقل والشرع، ويقيم الحجة من داخل النفس ومن خارجها فإذا ثبت الخالق الحكيم، كان إرسال الرسل وبيان الطريق من تمام الحكمة، لا مناقضًا لها
جوستاف فما منهجكم أنتم في هذه المسائل؟
راجي منهج أهل السنة والجماعة يقوم على أصولٍ محكمة أن الله سبحانه واحدٌ في ربوبيته، وألوهيته، وأسمائه وصفاته وأنه سبحانه بائنٌ من خلقه، لا تحلُّ ذاته في مخلوقاته، ولا يختلط بالخليقة، ولا يفتقر إلى ما خلق هو الأول الذي ليس قبله شيء، أوجد الزمان فلا يجري عليه، وخلق المكان فلا يحيط به، بل هو العلي الأعلى، مستوٍ على عرشه، كما يليق بجلاله، من غير تحريفٍ ولا تعطيل، ومن غير تكييفٍ ولا تمثيل وأن العقل الصريح لا يناقض النقل الصحيح، بل يشهد له ويهتدي به وأن الفطرة شاهدةٌ لله، وإنما تنحرف بالشبهة أو الشهوة أو التقليد الفاسد فنحن لا نعبد مجهولًا فلسفيًّا، بل نؤمن بربٍّ عرّفنا بنفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم
جوستاف إذن أنتم لا تجعلون العقل فوق الوحي؟
راجي بل نجعل العقل الصحيح خادمًا للوحي، شاهدًا له، لا حاكمًا عليه فالعقل آلة فهمٍ واستدلال، والوحي نورُ هدايةٍ وكشف ومن قدّم العقل القاصر على الوحي المعصوم ضلَّ في البابين: باب المعرفة، وباب العبادة
جوستاف لخّص لي إذن أصول ما عدَدْتَه من شبهات الإلحاد
راجي أجمعها لك في أصول
أولاً: شبهة: الكون وُجد بلا خالق والجواب: الممكن لا يوجد بنفسه، والمتغير لا يقوم بذاته، فلا بد من واجبٍ أوجده
ثانياً: شبهة: القوانين تغني عن الله والجواب: القانون وصفٌ للانتظام، لا علّةٌ منشئةٌ للوجود
ثالثاً: شبهة: الصدفة والانتقاء يفسران الحياة والمعلومة والجواب: المادة تحمل المعلومة ولا تُنشئ أصلها، والانتقاء لا يعمل إلا على حيٍّ موجود
رابعاً: شبهة: تعدد الأكوان يحل مشكلة الضبط والجواب: بل ينقل السؤال إلى آلية التوليد والقانون وفضاء الإمكان
خامساً: شبهة: العقل نتاجُ مادةٍ عمياء ويمكن الوثوق به تمامًا والجواب: هذا يهدم الضمان المعرفي للعقل من داخل الإلحاد نفسه
سادساً: شبهة: الشر ينفي وجود الله والجواب: وجود الشر الجزئي لا ينفي الحكمة الكلية، والاعتراض الأخلاقي يحتاج معيارًا موضوعيًّا لا يملكه الإلحاد
سابعاً: شبهة: الأخلاق يمكن بناؤها بلا إله والجواب: بلا إله تفقد الأخلاق إلزامها الموضوعي المتجاوز
ثامناً: شبهة: الدين صناعة بشرية والجواب: هذا تحليلٌ نفسي لا برهانٌ معرفي، ويرتد بالمثل على الإلحاد
تاسعاً: شبهة: التشابه بين المخلوقات يوجب الأصل المشترك والجواب: قد يكون التشابه لتماثل الوظائف ووحدة التقدير، لا لوحدة النسب لزومًا
عاشراً: : الوحي مجرد رأي، والمادية حقيقة والجواب: هذه مصادرةٌ فلسفية متحيزة، لا حيادًا علميًّا صافيًا
جوستاف كنت أظن الإلحاد موقفًا محايدًا، فإذا به مثقلٌ بدعاوى ضخمة أن المادة تفسر العقل وأن الصدفة تنشئ المعلومات وأن الممكن يكفي لتفسير نفسه وأن القانون يقوم بلا مُقنِّن وأن الفطرة وَهْم وأن الوحي رأي وأن الإنسان لا غاية له إلا ما يصنعه بنفسه كلما تعمقت في العلم، بدت هذه الفرضيات أضعف مما كنت أظن
راجي وهنا يبدأ الإنصاف فإذا ثبت الخالق الواجب، العليم، القدير، الحكيم، لم يبق السؤال: هل هناك إله؟ بل صار السؤال: هل ترك الخالق الإنسان سُدًى، أم أرسل إليه وحيًا؟
جوستاف هذا يقودنا إلى القرآن
راجي نعم فلسفةُ الوجود تدلُّ على أصل الإيمان، لكن الوحي يعرّفنا بمن هو الله، وما أسماؤه وصفاته، ولماذا خلقنا، وما الذي يرضيه وما الذي يسخطه، وإلى أين المصير والوحي الحق لا يناقض العقل الصريح، بل يكمله ويرشده
جوستاف لقد بدأت أقرأ القرآن بعد هذه المناقشة بنظرةٍ مختلفة فوجدت فيه إلهًا
واحدًا
غير مادي
خالقًا للقوانين
قيومًا على الكون
ليس كمثله شيء
خالق الزمان والمكان
غنيًّا عن الخلق
محيطًا بهم علمًا وقدرة
وهذا التصور ينسجم تمامًا مع برهان الوجوب، بل يقدمه في صورةٍ أصفى وأكمل من التصورات الفلسفية المجردة
راجي لأن الوحي لا يأتي ليمحو العقل، بل ليهديه إلى تمام الحق، ويجمع له بين البرهان والعبادة
جوستاف الآن أرى أن الإلحاد لم يعد عندي موقفًا فلسفيًّا متماسكًا كنت أظنه تحررًا، فإذا هو ارتهانٌ للمادة وكنت أظنه عقلانيةً خالصة، فإذا هو مذهبٌ محمَّلٌ بالتخمينات الثقيلة ولم أعد أرى التوحيد قفزةً عاطفية، بل الاستنتاج الأكثر عقلانيةً واتساقًا من المعادلة إلى واضعها ومن القانون إلى مُقنّنه ومن إمكان الكون إلى وجوب خالقه ومن انتظام الخلق إلى حكمة الخالق
راجي فإذا بان لك الحق، فلا تؤخّر ما أوجبه الله عليك
جوستاف لقد بان لي أن لهذا الكون ربًّا، وأن الحق ليس في عبادة المادة، ولا في تأليه القانون، ولا في تعليق الوجود على العدم والصدفة بل الحق في توحيد الله، والإذعان له، والإيمان برسله، واتباع وحيه وأقول الآن عن قناعةٍ عقلية، وطمأنينةٍ قلبية، وانكشافِ حجابٍ طال أمده أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله
ساد في القاعة صمتٌ جليل، لكنه لم يكن هذه المرّة صمتَ الحيرة، بل صمتَ اكتمال الصورة ووضوح السبيل لم يسقط الدكتور جوستاف تحت ضغط خطابٍ عاطفي، ولم ينكسر أمام جدلٍ لفظي، بل مضى من المعادلة إلى العلة، ومن القانون إلى المقنِّن، ومن إمكان الكون إلى وجوب الخالق، ومن سؤال الوجود إلى نور الوحي، حتى انتهى به النظر المنصف إلى شهادة الحق وهكذا لم يكن إسلامه فرارًا من العلم، بل ثمرةً من أعمق ثمراته حين يُقرأ الكون بعقلٍ منصف، وقلبٍ لا يعاند الفطرة، ونظرٍ لا يقدّم المذهب على البرهان فالتشابه في بعض الصفات ليس برهانَ السلالات، بل آيةٌ على وحدة رب الأرض والسماوات؛ وإحكام الوظائف ليس ثمرةَ الصدفة والتقليب، بل شاهدٌ على التقدير والتدبير وما أصدق قول الحق: أن هذا الخلق المحكم لا يصح أن يُردَّ إلى عمى المادة وصمم المصادفة، بل هو شهادةٌ قائمةٌ على أن الله خالق كل شيء، وأنه سبحانه له الخلق والأمر، وله الملك والحمد، وهو على كل شيء قدير