×
الفطرة وأثر التنشئة: لماذا يبقى أثر الإسلام بعد تركه؟

الفطرة وأثر التنشئة: لماذا يبقى أثر الإسلام بعد تركه؟

إعداد الدكتور: راجي رضا الله

www.islamic-invitation.com

مقدمة

يظن بعض الناس أن ترك الإيمان بالإسلام لا يعدو كونه تغييرًا في القناعات الفكرية، لكن الواقع أكثر تعقيدًا؛ فالإنسان لا تصنعه أفكاره وحدها، بل يولد على الفطرة التي فطره الله عليها، ثم تؤثر فيه تنشئته، ولغته، وعاداته، وأسرته، ومجتمعه. ولهذا فإن تغيير المعتقد لا يعني بالضرورة زوال آثار التربية الأولى

قال النبي ﷺ

ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه. (متفق عليه)

وقال الله تعالى

فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا [الروم: 30]

 

كيف يظهر أثر الإسلام بعد تركه؟

قد يترك بعض الناس الإيمان بالإسلام، لكن آثار التنشئة الإسلامية قد تبقى في لغتهم وعاداتهم وذاكرتهم وهويتهم زمنًا طويلاً

فقد يستمر في استعمال عبارات مثل: إن شاء الله، الحمد لله، بسم الله، لأنها أصبحت جزءًا من لغته اليومية. وقد يبقى لديه نفور من بعض المحرمات التي تربى على اجتنابها، لأن العادات الراسخة أعمق من مجرد القناعات النظرية

كما يحرص بعضهم على حضور موائد رمضان أو لقاءات العيد مع أسرته حفاظًا على الروابط العائلية والانتماء الاجتماعي، لا باعتبارها شعائر دينية

ويظل بعض المسلمين السابقين منشغلين بالإسلام؛ يقرؤون عنه ويناقشونه، ولا يجوز تعميم أي من هذين السلوكين على الجميع، فلكل إنسان تجربته الخاصة

ولهذا شبَّه بعض الكتّاب هذه الظاهرة بشخص ترك شرب القهوة، لكنه ظل يقضي وقته في الحديث عنها ومحاربتها والدعوة إلى بديل لها. وهو تشبيه بلاغي يقرب الفكرة، وليس دليلًا علميًا

 

الرؤية الإسلامية

يرى أهل السنة والجماعة أن الوحي لا يعارض العقل، بل يهديه ويرشده، قال الله تعالى

قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [البقرة: 111]

وقال سبحانه

أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ [النساء: 82]

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله
«صريح المعقول لا يعارض صحيح المنقول»

ولذلك فإن العقل الصريح لا يمكن أن يعارض الوحي الصحيح، وإنما يقع التعارض عند فساد الفهم أو ضعف الدليل

ولهذا فإن المسلم إذا عرضت له شبهة، رجع إلى القرآن والسنة بفهم السلف الصالح، وسأل أهل العلم، ولم يجعل المقاطع المختصرة أو الشبهات المنتشرة في وسائل التواصل مصدرًا لعقيدته

 

الإسلام لا يعارض التفكير والعقل

من الأخطاء الشائعة الزعم بأن الإسلام يمنع التفكير، بينما الواقع أن الإسلام يدعو إلى استعمال العقل، والتدبر، والنظر في آيات الله الكونية والشرعية، ويأمر بالبرهان، وينهى عن اتباع الظن

قال الله تعالى

أَفَلَا يَعْقِلُونَ  [يس: 68]

وقال سبحانه
لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الأعراف: 176]

وقال عز وجل
لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ [الأنعام: 65]

إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ.  [آل عمران: 190]

ولا يمنع الإسلام السؤال الصادق، بل يحث على طلب البرهان الشرعي، والبحث عن الحق في ضوء الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح، على أساس العلم، والعدل، والإنصاف، بعيدًا عن الهوى والانفعال

 

دعوة إلى البحث عن الحق

قد تعترض الإنسان شبهة أو حيرة، لكن علاجها يكون بطلب العلم، والتجرد للحق، وسؤال أهل العلم، والدعاء بأن يهديه الله

قال تعالى

فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [النحل: 43]

وقال سبحانه

وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ  [محمد: 17]

 

باب التوبة مفتوح

ومهما ابتعد الإنسان عن ربه، فإن باب التوبة مفتوح

قال تعالى

قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا [الزمر: 53]

وقال النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه

يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي... (رواه الترمذي وصححه الألباني)

فمن صدق في توبته وجد ربًا رحيمًا يقبل التائبين ويهدي من طلب الحق بإخلاص

 

خاتمة

منهج أهل السنة والجماعة يُقدّم الوحي الصحيح ويجمع بينه وبين العقل السليم والفطرة المستقيمة، ويقوم على العدل والإنصاف، والصدق في النقل، والتثبت في الأحكام

ولهذا فإن آثار الفطرة والتنشئة قد تبقى في النفس زمنًا طويلًا، وإن غطتها الشبهات أو الشهوات، لكنها لا تغني عن طلب الهداية من الله، وسلوك طريق العلم والحق

فمن وجد في نفسه شبهة، فليجعلها دافعًا للبحث عن الحق، لا سببًا للإعراض عنه، وليعلم أن الله يهدي من صدق في طلب الهداية، وأن رحمته وسعت كل شيء

ونسأل الله تعالى أن يثبتنا على الإسلام، وأن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، وأن يهدي كل باحث عن الحق إلى صراطه المستقيم

www.islamic-invitation.com


All the materials that are available for Raji Redha-Allah

مقالات ذات صلة

كثرة المِساس تُذهب الإحساس
Morality in Islam
كثرة المِساس تُذهب الإحساس

كثرة المِساس تُذهب الإحساس  الشيخ: محمد عطاء إبراهيم عبدالكريم إن ديننا الحنيف...

 التحذير من استخدام تحية «ناماستي» دون فهم معتقداتها الأصلية
Morality in Islam
 التحذير من استخدام تحية «ناماستي» دون فهم معتقداتها الأصلية

 التحذير من استخدام تحية  «ناماستي» دون فهم معتقداتها الأصلية احذروا — وحذِّروا...

آيات من القرآن الكريم تصف الله تعالى بـ "خير" الصفات
Morality in Islam
آيات من القرآن الكريم تصف الله تعالى بـ "خير" الصفات

آيات من القرآن الكريم تصف الله تعالى بـ "خير" الصفات يُعَدُّ الإيمانُ بأسماءِ ا...

+