التَّحْصِينُ العَقَدِيُّ لِلطُّلَّابِ قَبْلَ السَّفَرِ لِلْخَارِجِ
بَرْنَامَجٌ تَدْرِيبِيٌّ فِي مُحَاوَرَةِ الفَلْسَفَاتِ الإِلْحَادِيَّةِ بِالمَنْهَجِ العِلْمِيِّ وَاليَقِينِ الشَّرْعِيِّ
إِعْدَادُ الدكتور رَاجِي رِضَا اللّٰهِ
www.islamic-invitation.com
يَضُمُّ هَذَا الكِتَابُ خُلَاصَةَ حِوَارَاتٍ ثَرِيَّةٍ مَعَ المُلْحِدِينَ، جُمِعَتْ وَهُذِّبَتْ بِأُسْلُوبٍ حِوَارِيٍّ؛ لِتَكُونَ مَرْجِعاً تَدْرِيبِيّاً يُبَسِّطُ الأَفْكَارَ وَيُقَرِّبُهَا لِلأَذْهَانِ، مَعَ الِالْتِزَامِ التَّامِّ بِالدِّقَّةِ العِلْمِيَّةِ وَالمَنْهَجِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ؛ لِيَكُونَ دَلِيلاً يَجْمَعُ بَيْنَ سُهُولَةِ الأُسْلُوبِ وَقُوَّةِ الحُجَّةِ
إذا كنت مهتمًا بقراءة بقية الكتاب، فيمكنك تحميله من هذا الرابط
https://www.islamic-invitation.com/downloads/doctrinal-fortification-for-students-before-traveling-abroad_arabic.pdf
جلس الدكتور راجي في مكتبه أمام طلابه الأربعة: أَحْمَدُ، وَحُسَيْنٌ، وَخَالِدٌ، وَمُصْطَفَى، وهم حملة ماجستير ويستعدون للسفر للخارج لنيل رسالة الدكتوراه
افتتح الدكتور راجي المجلس قائلاً: يا أبنائي، إنَّ السَّفَرَ للخارجِ نافذةٌ لتبليغِ الإسلامِ، ومِحْرابُ تعلُّمٍ وعمل، بَيْدَ أنَّ الخطرَ الحقيقيَّ لا يكمنُ في السفرِ ذاتِه، بل في الغفلةِ وفقدانِ الهويةِ والذوبانِ في ثقافةِ الآخر. ولما كان التقليدُ الأعمى نتاجاً لهشاشةِ اليقين؛ غدا تحصينُ الطالبِ قبلَ رحيلِه هو الضمانةُ الأهمُّ لثباتِ دينهِ ونجاحِ مسيرتِه
قبل الحديث عن أبرز التحديات التي تواجه الطالب المسافر، يَجبُ التَّأكيدُ على ما بَلغَتْهُ تلكَ المُجتمعاتُ المادية من تَقَدُّمٍ مَشهودٍ في البحثِ العِلميِّ، وما تَمايزتْ به من دِقَّةٍ في احترامِ الوَقتِ، والتزامٍ بسيادةِ القانونِ، وانضباطٍ في قَواعدِ المرور، وعِنايةٍ بنظافةِ المرافق العامَّةِ؛ وهي وإنْ تَفاوتتْ نِسبُ الالتزامِ بها من دولةٍ لأخرى، إِلَّا أَنَّهَا تَظَلُّ مَظَاهِرَ غَالِبَةً يَجِبُ مَعَهَا عَلَى الطَّالِبِ أَنْ يُمَيِّزَ بَيْنَ بَهَاءِ الْمَظْهَرِ الْمَادِّيِّ وَبَيْنَ عَوْرَاتِ الِانْحِرَافِ الْأَخْلَاقِيِّ
أبرز التحديات التي تواجه الطالب المسافر
أولاً: التحديات الدينية والأخلاقية: تتعددُ التحدياتُ التي تواجهُ الطالبَ؛ بدءاً من انتشارِ الفواحشِ والمعاصي كَالْعَلَاقَاتِ الْمُحَرَّمَةِ، وَالشُّذُوذِ، وَالْعُرْيِ، وَشُرْبِ الْخَمْرِ، وَأَكْلِ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ، وَانْتِشَارِ الْقِمَارِ، مروراً بالضغوطِ الاجتماعيةِ التي تدفعُ للمشاركةِ في أنشطةٍ مختلطةٍ وحفلاتٍ مُحرَّمةٍ بدعوى الاندماجِ أو المجاملةِ، وُصُولًا إلى ضعفِ البيئةِ الإيمانيةِ الناتجِ عن قلةِ المساجدِ وَنُدْرَةِ الصحبةِ الصالحةِ؛ مما يؤدي في نهايةِ المطافِ إلى الْغُرْبَةِ الدينيةِ وضَعفِ الوازعِ الإيماني
ثانياً: التحديات الفكرية والثقافية: انتشار الفلسفات الإلحادية المادية والتيارات التي تطعن في وجود اللَّهِ أو تشكك في صحة الإسلام، والدعوة إلى الذوبان الثقافي وطمس الهوية الإسلامية، والتعرض للتمييز أو ما يسمى بِالإِسْلَامُوفُوبْيَا؛ وليس المقصود التعميم على جميع الأفراد أو المؤسسات، وإنما الإشارة إلى التيارات الفكرية الْمُؤَثِّرَةِ في بعض البيئات الأكاديمية والثقافية
ثالثاً: تحديات الأسرة والهوية: إنَّ الأصل من جهة الكمال والمصلحة والاحتياط للدين هو زواج المسلم من مسلمةٍ صالحة؛ ضماناً لاستقرار الأسرة وتنشئة الأبناء على عقيدةٍ صحيحة، مع بقاء إباحة الزواج من الكتابية (النصرانية واليهودية) بنص القرآن الكريم، إلا أنَّ الفقهاء والمجامع الفقهية يذهبون في الواقع المعاصر إلى الكراهة الشديدة لهذا الزواج في المجتمعات الغربية، بل والمنع منه في حالات تترتب عليها مفاسدُ بيّنة
إنَّ المنعَ المعاصرَ هو منعُ سدِّ ذريعةٍ أو فُقدانِ شروطٍ معتبرة، نظراً لثلاثة أسباب جوهرية
انتفاء شرط "الإِحْصَان": اشترط القرآن الكريم في الكتابية أن تكون «مُحْصَنَةً» (أي عفيفةً تماماً عن الزنا)، وهو وصفٌ قد يندر تحققه في البيئات التي يغلب عليها الانفلات الأخلاقي وشيوع العلاقات خارج إطار الزواج؛ مما يوجب التثبت والتحقق قبل الإقدام؛ إذ إنَّ الزواج من غير المُحْصَنَةِ باطلٌ أو محرمٌ عند المحققين من العلماء
التلبُّس بالإلحاد تحت غطاء "أهل الكتاب": كثيراً ما يكون الانتماء الديني في الخارج شكلياً أو حضارياً، مع اعتناق أفكار إلحادية، فالملحدات واللاأدريات وكلُّ مَن أنكرت أصولَ الإيمانِ التي لا يبقى معها وصفُ الكتابية؛ لسنَ من أهل الكتاب باتفاق العلماء، بل يحرم نكاحهنَّ إجماعاً، وحكمهنَّ كحكمِ المشركات، شأنُهنَّ في ذلك كشأنِ الهندوسيات والبوذيات. وهذا يوجب التثبت من حقيقة معتقد المرأة، وعدم الاكتفاء بالتبعية الاسمية، للتأكد من قيام وصف الكتابية الذي علَّق الشارعُ الحِلَّ به
المخاطر القانونية والاجتماعية: يُضاف إلى ما سبق مخاطرُ قانونيةٌ جسيمة تتعلق بـقوانين الحضانة، التي تمنح الطرف غير المسلم في كثير من الدول سلطةً مطلقةً في صياغة هوية الأبناء وتربيتهم، مما يعرّضُ فطرة الناشئة للضياع، ويجعلُ الأب المسلم مسلوب الولاية على نسله. وفي المقابل، حسمت الشريعة تحريم زواج المسلمة من غير المسلم تحريماً مؤبداً قاطعاً؛ صيانةً لعقيدتها، ومنعاً لوقوعها تحت ولايةٍ تناقض إسلامها، وحمايةً لنسلها من الضياع
وفي سياقِ صيانةِ حِمى التوحيد، قرر العلماء منع المشاركة في الأعياد الدينية لغير المسلمين؛ لِما في ذلك من إقرارٍ لشعائر تصادم أصل التوحيد وتخالفُ ثوابت الإسلام. فالمسلمُ مأمورٌ بالتميز في عقيدته وهويته، مع الْتِزَامِهِ التام بِالْبِرِّ والقسط في المعاملة، وحسن الجوار، واحترام القوانين المنظمة للحياة العامة
الدكتور راجي يا أبنائي، اليوم سوف ينقسم التدريب إلى ثلاثة مستويات
المستوى الأول (التحصين): "كيف لا تهتز؟" (بناء الثقة بأن العلم التجريبي الصحيح لا يتعارض مع أصول الإيمان، وأن الوحي والعقل متكاملان لا متصادمان)
المستوى الثاني (تفكيك الشبهات): "كيف تردُّ علمياً ويقينياً؟" (بالجمع بين النقل الصحيح والعقل الصريح، والضبط الدقيق للمصطلحات، والاستدلال بالحقائق الكونية والجينية، والوعي بمقتضيات الفطرة... إلخ)
المستوى الثالث (فقه الدعوة): "كيف تكون سفيراً للإسلام؟" (التدريب على أدب الحوار، والتمثيل الأخلاقي للإسلام، وتجنب الصدامات العقيمة
سَتجدونَ في رحلتِكم مَن يَزعمُ واهماً أنَّ صروحَ العلمِ قد هدمَتْ ركائزَ الإيمانِ، وَحَاشَا لِلَّهِ أن يتناقضَ خَلْقُهُ المنظور مع وَحْيِهِ الْمَسْطُورِ. وَالْيَوْمَ سأضعُ بينَ أيديكم مفاتيحَ محاورةِ الفلسفاتِ الإلحاديةِ بالحكمةِ والموعظةِ الحسنةِ، المستندةِ إلى الرسوخِ في المعرفةِ الدينيةِ والدلائلِ العلميةِ. إنَّ رحلتَـكم هي رحلةُ اسْتِزَادَةٍ عِلْمِيَّةٍ، ومع ذلك، فلا نجاةَ لمسافرٍ بلا زادٍ فكريٍّ رصينٍ. فلا تتركوا خاطرةً تلوحُ في أذهانكم إلا وَطَرَحْتُمُوهَا؛ لنبنيَ سويّاً جداراً من الْوَعْيِ قبلَ السَّفَرِ إِلَى الْخَارِجِ
حسين: يا دكتور راجي، نخشى على قلوبنا من شُبهاتِ الإلحادِ التي تضجُّ بها تلك الجامعات والمنصات الرقمية هناك، فبماذا نتحصَّن قبل أن تطأ أقدامنا أرضهم؟
الدكتور راجي: يا حسين، أولُ زادِكَ هو تحقيقُ التوحيد والتعلق بِاللَّهِ الْحَيِّ الْقَيُّومِ؛ فاليقينُ بِاللَّهِ وأسمائه وصفاته هو أصلُ الأصول. اعلم أنَّ اللَّهَ معك بعلمه وإحاطته أينما كنت، فحافظ على فرائضك وأذكارِك، فهي حِرْزُكَ الْمَكِينُ. إنَّ الشبهةَ خَطَّافة والقلوبَ ضعيفةٌ، فاجعل عُدَّتَكَ الاستعاذةَ بِاللَّهِ عند كل سوءٍ يخطُر لك، وَسَلِ اللَّهَ الثبات على الحق حتى تلاقيَه، فالعلمُ بلا تقوى وَبَالٌ على صَاحِبِهِ
أحمد: دكتور راجي، منهم من يزعمُ أنَّ المادةَ أزليةٌ والكونَ وُجد صدفة، فكيف نردُّ هذا الباطل بلسانِ العلمِ والوحي؟ وما هو الدور الذي يلعبه العلم في تعميق اليقين الديني؟ الدكتور راجي: يا أحمد، تذكر: العَقْلُ الصَّرِيحُ لا يُعَارِضُ النَّقْلَ الصَّحِيحَ، لأنَّ كِلَيْهِمَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. كُلَّمَا تَبَحَّرْتَ فِي "دِقَّةِ الخَلْقِ" رَأَيْتَ فِيهَا "آيَاتِ الخَالِقِ"؛ فَالصُّدْفَةُ خُرَافَةٌ لَا تَقْبَلُهَا عُقُولُ العُقَلَاءِ وَلَا مَوَازِينُ الحِسَابِ. اسْتَخْدِمِ العِلْمَ لِتَعْمِيقِ خَشْيَتِكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّرْعَ لَا يُعَارِضُ الحَقَائِقَ العِلْمِيَّةَ (السُّنَنَ الكَوْنِيَّةَ)، وَلَكِنَّهُ يَرْفَضُ الأَهْوَاءَ وَالفَلْسَفَاتِ المَادِّيَّةَ الَّتِي تَتَدَثَّرُ بِمِسَاحِيقِ العِلْمِ لِتَسْوِيقِ الإِلْحَادِ
فَالعِلْمُ يَكْشِفُ "بَدِيعَ الخَلْقِ"، وَالوَحْيُ يُثْبِتُ "عَظَمَةَ الخَالِقِ
خالد: وكيف السبيلُ لِصونِ يقينِنا واعتزازِنا بالثوابتِ أمامَ مُثيري الشُّكوكِ؟ وكيفَ نجمعُ في حوارِنا بَيْنَ رِفقِ الواثقِ وصَلابةِ المبدأِ؟
الدكتور راجي: يا خالد، كُن حكيماً؛ إن آنستَ فيهم بحثاً عن حق فأجب بالتي هي أحسن، مستنداً إلى براهين الفطرة والوحي، بلا مداهنةٍ في الثوابت ولا غلظةٍ في الأسلوب. أما إن كان الحوارُ سخريةً أو استهزاءً، فالإعراضُ مأمورٌ به شرعاً
كُنْ مُعْتَزًّا بِهُوِيَّتِكَ، فَنُورُ شَمْسِ الْحَقِّ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ، وَهَبَاءُ الْبَاطِلِ زَهُوقٌ أَمَامَ ثَوَابِتِ الْيَقِينِ؛ إِذْ إِنَّ بُرْهَانَ الْفِطْرَةِ قَاهِرٌ لِكُلِّ جَاحِدٍ، وَسَرَابُ الْمَادِّيَّاتِ يَتَلَاشَى أَمَامَ شَوَاهِدِ الْإِتْقَانِ
مصطفى: يا دكتور، البيئة الأكاديمية هناك منفتحةٌ لدرجةِ الذوبان، فكيف نوازنُ بين تحصيل العلم وبين الحذر من الانجراف وراء نمط الحياة المادي؟
الدكتور راجي: يا مصطفى، عليك بالفرز الواعي والتمايز العقدي؛ خذ منهم «نافعَ العلوم» واترك لهم «سقيمَ العادات». فَرِّق بينَ العُلومِ التي تَبني بها مُجتمَعك، وبينَ الفلسفاتِ التي تُذيبُ الاعتزازَ بالهويةِ وتُوهِنُ أركانَ الإيمانِ. لا تكن غافلاً أو مندفعاً عند استخدام الإنترنت، بل استعمل عقلك وإيمانك كَبُوصْلَةٍ توجهك للنافع وتبعدك عن الضار، واجعل لك صُحْبَةً صَالِحَةً تُذَكِّرُكَ بِاللَّهِ، واعلم أنك في ثَغْرٍ؛ فإما أن ترجعَ وَقَدْ ازْدَادَ إِيمَانُكَ بِاللَّهِ، وإما أن تضيعَ في تِيهِ الماديات، فاجعل غايتك مرضاة اللَّهِ وحدَهُ
أحمد: ماذا لو استغلَّ الدكتور الملحدُ في الخارج سُلطتَهُ العلميةَ، وزعمَ وسطَ المحاضرةِ أنَّ: العلمَ التجريبيَّ قد أثبتَ أنَّ الدينَ مجردُ خرافةٍ! كيفَ نواجهُ هذا الخلطَ؟
الدكتور راجي: أَوَّلُ خطواتِكَ هي التمييزُ بين الحقيقةِ العلميةِ والرأيِ الفلسفيِّ. قل له بهدوءٍ: هل هذا استنتاجٌ خاضعٌ للمنهجِ التجريبيِّ المبنيِّ على القياسِ والرصدِ، أم هو قراءةٌ فلسفيةٌ تتجاوزُ حدودَ التخصصِ؟ فالعلمُ يصفُ الظواهرَ المشهودةَ، لكنَّهُ لا يملكُ نفيَ الغيبِ أو إثباتَهُ؛ فإذا نُسِبَ إليه حكمٌ ميتافيزيقيٌّ، فقد خرجَ الأستاذُ حينئذٍ عن مقتضى الأمانةِ العلمية
حسين: وماذا لو سلكَ الدكتور مَسْلَكَ التَّهَكُّمِ وَالسُّخْرِيَّةِ علانيةً من فكرةِ وجودِ اللَّهِ؟
الدكتور راجي: تذكرْ أنَّ التَّهَكُّمَ وَالسُّخْرِيَّةَ ليست دليلاً، بل هي عجزٌ عن الإقناعِ؛ والمؤمنُ لا يُقابلُ السُّخْرِيَّةَ بمثلِها. إنْ رأيتَ ضرورةً للردِّ، فقل له بوقارٍ: أظنُّ أنَّ احترامَ معتقدات الآخرينَ أَوْلَى بالبيئةِ الأكاديميةِ من التَّهَكُّمِ عليها. ثم التزمِ السَّكِينَةَ الواثقة؛ فلا تنفعلْ في الجدالِ؛ فصمتُكَ الواثقُ أَبْلَغُ رَدٍّ على ضجيجِ الْبَاطِلِ، وثباتُكَ خَيْرُ دليلٍ على قُوَّةِ مَا تَحْمِلُ
مصطفى: كيف يُمكن تصنيف الملحدين في العصر الحديث من منظور تربوي وعقدي، وما هو الأسلوب الأمثل للتعامل مع كل صنف منهم؟
الدكتور راجي: يُمكن تصنيف التوجهات الإلحادية المعاصرة تربوياً إلى مسارين، لكل منهما مفتاحٌ يناسبه
أولاً: الْمُسْتَكْفِي بِذَاتِهِ (الْمُسْتَكْبِرُ)؛ وهو من حجبته "الْأَنَا" وَتَضَخُّمُ الذَّاتِ عن رؤية فضلِ اللَّهِ المُنْعِمِ عليه، فآثر الاستقلال عن هَدْيِ الخالق رغبةً في التحرر من التكاليف. وهذا الصنف يحتاج إلى قوة الْحُجَّةِ وعظمة البيان؛ لتذكيره بِفَقْرِهِ الذَّاتِيِّ وَعَظَمَةِ خَالِقِهِ، وَنَزْعِ غِطَاءِ الْكِبْرِ الذي يحجب فطرته عن رؤية الحقيقة
ثانياً: الْبَاحِثُ الْحَائِرُ (التَّائِهُ)؛ وهو من حالت الشبهات الفكرية أو الظروف النفسية والبيئية بينه وبين اليقين، فصار إلحاده اضْطِرَابًا وَحَيْرَةً لَا عِنَادًا. وهذا الصنف يُعامل بالرفق والمحاورة بالتي هي أحسن؛ فيُخاطب عقله بالمنطق الهادئ، وَتُحْتَوَى حيرته بالرحمة وسعة الصدر، سعياً لِتَرْمِيمِ فِطْرَتِهِ وإعادة وصل ما انقطع من يَقِينِهِ باللين والصبر
الحكمة الدعوية تقتضي مخاطبة المعاند بما يوقظ وَعْيَهُ، ومخاطبة التائه بما يطمئن قلبه ويُزيل غَمَامَ الشُّبْهَةِ عن بصيرته
خالد: لكن، بعضهم يروّج لنظرية التطور وكأنها دليل قاطع على عدم وجود اللَّهِ الخالق
الدكتور راجي: هنا الخطأ المنهجي. النظرية علمية تبحث في "كيفية" حدوث الظواهر، لا في "من أوجد الوجود". حتى لو وُجد تفسيرٌ تطوري لبعض المراحل البيولوجية، فإن السؤال الأعمق يبقى قائمًا: من أوجد المادة؟ من سنّ القوانين الكونية؟ من منح الكون قابليته للحياة؟ الإيمان بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لا يقوم على إسقاط نظرية، بل على الفطرة والعقل والوحي. يا أبنائي، إنَّ لِبناءِ الإلحادِ المعاصرِ جذوراً هشَّة، فكثيرٌ من قناعاتِ الماديين قامت على أوهامٍ علميةٍ قديمةٍ نُقِضت، لكنَّ ريحَها لا تزالُ تعصفُ بعقولِ البعض
خالد: هل هناك مغالطة علمية قديمة استند إليها المنكرون للخالق في زعمهم نشأة الحياة من الجمادات المسخرة، وكيف تم إبطال تلك الأوهام بالدليل والبرهان؟
الدكتور راجي: نعم، هذه المغالطة تُعرف بالتولد الذاتي أو التولد من الجماد وكانت سبباً في إلحاد العديد من تلاميذ المدارس، ولكن المغالطة سقطت علمياً منذ القرن السابع عشر. كان الاعتقاد السائد قبل عام 1668م أن الكائنات الحية (مثل الديدان والذباب) تنشأ تلقائياً من المادة غير الحية (مثل اللحم المتعفن)، ولكن فرانسيسكو ريدي عندما عَقَّمَ اللَّحْمَ وأغلقَ الوعاءَ بإحكامٍ، فلم يظهر الدود! وبعدها صاغ فرانسيسكو ريدي هذه القاعدة: الحياة لا تأتي إلا من حياة
(Omne vivum ex vivo)
فإذا كان فرانسيسكو ريدي قد حسم مغالطة الدود واللحم، فإن لويس باستور عام 1862م هو من أغلق الباب تماماً بتجربته الشهيرة عنق البجعة
حسين: وهل يمكن للمادة الميتة أن تمنح الحياة لنفسها؟ وكيف أثبت لويس باستور بطلان ذلك علمياً؟
الدكتور راجي : أثبت لويس باستور أنَّ الكائنات الْمِجْهَرِيَّةَ لا تنشأ من المادة العضوية تلقائياً، فقد صمم دُورْقًا يمنع وصول الجراثيم إِلَى الْمَرَقِ مع السماح بدخول الهواء، فبقي الْمَرَقُ سليماً لسنوات! وهكذا أعلن باستور انتصار التولد الْحَيَوِيِّ
(Biogenesis)
مؤكداً أن الحياة لا تأتي إلا من حياة؛
(Life only comes from life)
وهي الحقيقة التي أثبتها بالتجربة العلمية القطعية، ليغلق الباب أمام خرافة أنَّ المادة الميتة تملك قدرة ذاتية على توليد الحياة. لَكِنَّ العَجِيبَ، أَنَّ الفِكْرَ الإِلْحَادِيَّ المَادِّيَّ لَا يَزَالُ أَسِيرًا لِجَوْهَرِ هَذِهِ المُغَالَطَةِ حَتَّى يَوْمِنَا هَذَا، وَإِنْ غَيَّرَ ثِيَابَهَا وَتَجَمَّلَ بِمُصْطَلَحَاتٍ بَرَّاقَةٍ
حسين: ولكن يا دكتور راجي، ألا يزعمُ الملحدون اليوم أنَّ العلمَ الحديثَ قد تجاوزَ تجربةَ باستور، وأنَّ الحياةَ نَشأتْ عَبْرَ تفاعلاتٍ كيميائيةٍ معقدةٍ وطويلةِ الأمدِ في فجرِ التاريخ؟
الدكتور راجي: الملحدون اليوم لا يتحدثون عن 'دودٍ يخرج من لحم'، بل يتحدثون عما يسمونه التولد من الجماد أو النُّشُوءَ الحيوي الكيميائي
(Abiogenesis)
والفرقُ الحقيقي أنَّ باستور قدّم حقيقةً تجريبيةً مرصودة، بينما التولد من الجماد هو مجرد ظنون وأوهام بلا دليل، تفترض أنَّ الجمادات المسخرة عبر مليارات السنين استطاعت خلق نفسها أو تدبير أمرها، وتحويل التفاعلات المخلوقة إلى شفرة وراثية تَفِيضُ بالمعلومات. وهذا محال شرعاً وعقلاً؛ فالمخلوق لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، وكل قانون في الوجود هو تقديرٌ من اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، والحياة تظهر نتيجة خلقه وأمره، وليس للجماد المأمور أي قدرة على الإيجاد. لذا، يظل الإيمان بِالْخَالِقِ هو الحق؛ فالعلم يصف سُنن اللَّهِ في الكون، والوحي يخبرنا بِالْخَالِقِ الذي أوجد هذه السنن وأحكمها
مصطفى: وهل يختلف هذا المصطلح عن "التولد الذاتي" في جوهره؟
الدكتور راجي (بابتسامة عميقة): في الجوهر أبداً! هي نفس المغالطة الإلحادية القديمة التي تظن أن الجمادات تخلق نفسها عبر الآماد الطويلة إنهم يطالبوننا بتصديقِ أنَّ الموات الذي لا حياة فيه قد أوجد حياةً، وأنَّ المخلوقات العاجزة هي التي أنشأتْ ورتَّبتْ شفرةَ الحمضِ النوويِّ المعقدةَ DNA وهذا محالٌ شرعاً وعقلاً؛ فالمخلوقُ الفقيرُ لا يخلقُ كمالاً لَمْ يُعْطَهُ، والجمادُ المأمورُ لا يملكُ تدبيراً، بل هو خلقُ اللَّهِ الْعَلِيمِ الْخَبِيرِ
لقد سقطت تجربة الدود، لكنَّ أوهام التولد الذاتي لا تزال هي الشبهة التي يتشبث بها الملحد ليعرض عن حقيقة وجودِ الخالقِ الْحَيِّ الْقَيُّومِ
إنَّ القضية يا بني ليست نقصاً في الدليل، بل هي إعراضٌ عن الفطرة؛ فالعقل السوي يدرك بداهةً أنَّ المخلوق لا يستقلُّ بإيجادِ شيءٍ، فكيف للجمادِ الميتِ الذي لا يملكُ مشيئةً ولا حكمةً أن يُوجِدَ الحياةَ والنظامَ والوعيَ؟ وكُلُّ ذلك بتقديرِ العزيزِ العليمِ
إنَّ محاولةَ تعليلِ الخَلْقِ بمَعزِلٍ عن الخَالِقِ ضلالٌ مُبين، وتِيهٌ وراءَ أوهامِ الظُّنونِ والتَّخمين، ومصادمةٌ صريحةٌ للوحيِ المَعصومِ والفطرةِ السويَّة، التي أقرَّ بها العقلُ الصريحُ والبديهيَّة؛ فالحياةُ خَلْقٌ أوجدهُ اللهُ الحيُّ القيُّومُ بكلمتِهِ وقدرتِه، وليستْ أثراً ناشئاً عن طبعِ المادَّةِ أو مِمَّا تولَّدَ عنها بقوَّتِها وجِبلَّتِه
أحمد: إذن العلمُ الحديثُ في الحقيقة يُحاصرُ الإلحادَ ولا يدعمُه كما يروجون
الدكتور راجي: بالضبط؛ فكلما اكتشفنا تعقيداً في الخلية، زاد يقيننا بقاعدة فرانسيسكو ريدي: "الحياة لا تأتي إلا من حياة"، وأنه لا بد لهذا الوجود من خالقٍ حيٍّ، عليمٍ، حكيمٍ، له الخلقُ والأمرُ، وإليه يُرجعُ الأمرُ كُلُّه
إنَّ الفرقَ بين "الطينِ" و"الإنسانِ" ليس في "نوعِ الذراتِ"، بل في "إرادةِ الخالقِ" التي أودعتْ في هذه المادةِ سمعاً وبصراً وعقلاً؛ فالحياةُ أثرٌ من آثارِ صفاتِ الخالقِ الْمُحْيِي، وخلقٌ مُبتدأٌ من أمرِ الحيِّ القيومِ، وليست فضلةً كيميائيةً ناتجةً عن اصطدامِ الجزيئاتِ. وعلى الرغم من أن العلم يمكن أن يشرح كيف تتفاعل الجزيئات أو كيف يحدث النمو البيولوجي، إلا أنه لا يستطيع تفسير الروح أو الغاية من الحياة
ستظلُّ الروحُ والنظامُ المعجزُ شاهدَيْنِ على أنَّ المادةَ محكومةٌ لا حاكمةٌ، ومخلوقةٌ لا خالقةٌ. العلم يشرح "كيف" تعمل الأشياء في الكون، ولكن الْوَحْيَ يجيب عن "لماذا" نحن هنا، "ومن أين جاء الكون؟" فالحقُّ أَبْلَجُ لمن أرادَ الهدايةَ، حَيْثُ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى فِي مُحْكَمِ آيَاتِهِ: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ) (الطور: 35)
فَسُبْحَانَ مَنْ حَارَتِ العُقُولُ فِي بَدَائِعِ صُنْعِهِ، وَشَهِدَتِ الكَائِنَاتُ بِوَحْدَانِيَّتِهِ، وَخَضَعَتِ البَرَايَا لِجَلَالِ رُبُوبِيَّتِهِ، وَانْقَادَتِ القُلُوبُ لِعَظَمَةِ هَيْبَتِهِ
حسين: قرأت بأن هناك خدعة أخرى وهي خديعة إنسان بيلتداون
الدكتور راجي: أحسنت، فإنسان بيلتداون لم يكن مجرد خطأٍ علميٍ عفو، بل كان خديعةً مَحبوكةً، وتزييفاً متعمداً، وتزويراً مُعقَّداً استهدف ترسيخ العقيدة المادية الإلحادية. إنَّ إنسان بيلتداون يُمثِّلُ أكبرَ خدعةٍ في تاريخ نظرية التطور منذ اكتشافه المزعوم عام 1912؛ حيث ادعى "تشارلز داوسون" العثور على حفرية في إنجلترا تجمع بين جمجمة بشرية وفك قرد، وقُدِّمَت للعالم على أنها "الحلقة المفقودة" التي تثبت أصل الإنسان
استمرت هذه الخدعة قرابة 40 عاماً، حيث احتفى بها المجتمع العلمي والمؤسسات الإلحادية كدليل قاطع على التطور، وتم تدريسها في المناهج التعليمية لإقناع الناس بأن الإنسان أصله قرد. سنة 1953 أثبتت الفحوصات الكيميائية أن الحفرية مفبركة بالكامل؛ حيث تم دمج جمجمة إنسان عاقل حديث مع فك قرد "أورانجوتان"، وبرد الأسنان وطلاؤها بمواد كيميائية لتبدو قديمة جداً
كشفت هذه الواقعة كما ذكر البروفيسور فيليب توبايس كيف يمكن "تزوير العلم" لخدمة أجندات فلسفية وإلحادية، حيث كان العلماء "يريدون" تصديق وجود حلقة مفقودة فغضوا الطرف عن الفحص الدقيق
خالد: وماذا عن "إنسان نبراسكا"؟ هل تندرج تحت بند الخداع أيضاً؟
الدكتور راجي: "إنسان نبراسكا" كانت سقطةً علميةً مُدوية أكثر منها خديعةً متعمدة؛ فهي تمثل "مغالطة التوهم"؛ حيث بنى التطوريون صرحاً من الخيال (إنساناً كاملاً) فوق ضِرْسِ خنزير! وهي واحدة من أكثر القصص إثارة للسخرية في تاريخ الحفريات، وهي نموذج مثالي لكيفية تحويل "لا شيء" إلى "دليل علمي" لخدمة أيديولوجية معينة: "الضرس" المكتشف عام 1922م، عثر عليه عالم الحفريات "هارولد كوك" في نبراسكا (أمريكا)، وبمجرد فحصه، أعلن البروفيسور "هنري أوزبورن" مدير المتحف الأمريكي للتاريخ الطبيعي أن هذا الضِّرْسَ يعود لكائن
(Hesperopithecus)
يجمع بين صفات القرد والإنسان، وأسماه ورغم أن المكتشف كان مجرد ضِرْسٍ واحد، إلا أن بعض المجلات العلمية نشرت رسومات تخيلية كاملة لإنسان نبراسكا وزوجته، وهما يعيشان في كهف ويستخدمان الأدوات، لحشو أذهان العامة بوجود الحلقة المفقودة المزعومة بين القرد والإنسان
بعد خمس سنوات من الترويج الصاخب، تم العثور على بقية أجزاء الهيكل العظمي لصاحب الضرس، وكانت الصدمة أن الضرس لا يعود لإنسان، ولا لقرد، بل يعود لنوع منقرض من الخنازير البرية يدعى
(Peccary)